بانوراما مسيحية - مواضيع روحية - قصة واقعية
ما اروع وعذوبه هذه القصه الواقعيه منتصف ليلة شديدة البرودة ، إستُدعيت كطبيب لجراحة العظام من سكن أطباء مستشفى الغردقة العام إلى حجرة الإستقبال لمباشرة إصابة طارئة ، عبرت الشارع إلى المستشفى حيث يقع على الجانب المقابل ليشد إنتباهى منظر راهب ينام داخل سيارته ( الفولكس ) ، إقتربت بطرقات خفيفة على شباكها وفوجئت أنى أوقظ أبى الراهب أبونا مكاريوس الأنبا بولا !! . لم يجد الراهب القديس إلا سيارته لينام بها إنتظاراً لعلاج أحد الآباء الرهبان بالمستشفى ، ووجدتها أنا فرصة لا يمكن أن تعوض لأصطحب هذا الطوباوى إلى حجرتى بالسكن ليبيت ليلته معى ، وإمتدت الليلة إلى إسبوع كامل مر كأنه الحلم ، أضاف إلى رصيدى من البركات كنزاً لا يضاهيه كل كنوز العالم كنت أترك له الحجرة معظم النهار ، وأخرج معه ساعات طويلة أثناء الليل نستمتع بالطبيعة الساحرة مع نسيم البحر والفضاء المحيط ، ذلك الزمن المبكر من مطلع الثمانينات وقبل إزدحام المدينة الساحلية الجميلة ، ومع وجود أطباء آخرين يشاركوننى السكن ، لم يلحظ أحد قط وجود هذه البركة معى ، فقد كنت المسيحى الوحيد بين إثنتى عشر طبيب نقضى فترة تكليف بعد حصولنا على إجازة تخصصاتنا الطبية على إختلافها وتنوعها صلينا المزامير معاً ، وقضينا الساعات بين آيات الكتاب المقدس ، وأخذت إرشاده فى أمور شتى ، ولكن أكثر ما لمسنى منه هو قوة النور فى وجهه ، وسلطان ذلك الإشعاع على الجذب ، فما كنت أقاوم النظر قط فى وجهه ، وفى ذات الوقت ما كنت أستطيع الإبقاء على هذا إلا دقائق فأطرق الرأس وأغمض العين ، فالنور فى وجهه الملائكى لا يقاوم ويرغمك أن تغمض العين من قوته فى آن ، تماماً كما كان فى وجه موسى كليم الله لقد إختبرت هذا أيام خلوة كنت أقضيها بدير الأنبا بولا مطلع الشباب ، كان الراهب يقف على ساقه الواحدة متكئاً على الساق الصناعية الأخرى ساعات تسبحة منتصف الليل ، ممسكاً بشمعة ينعكس نورها على وجهه الجميل فتحتار هل يضيء وجهه الشمعة أم هى الشمعة التى تنير وجهه !! ؟ ، ولا تجد إجابة إلا أن ذلك النور من ذاك الشعاع ، وكلاهما ينبع من قلب طاهر يعرف كيف يشرق بنور المسيح ورأيت ساقه الصناعية لأول مرة ، وإختلست لمسها وهو نائم فى سريره المجاور لسريرى ، لمستها بإيمان نازفة الدم ، فلابد أن لها بركة وقوفه الساعات أمام الله فى الصلاة ، وفى الصباح فاجأنى : ( أعتذر أن ساقى تزحم حجرتك ) قالها مبتسما إبتسامة حلوة ثم أردف : ( مش كفايه مستحملنى ، كمان هتستحمل رجلى ) .. !! ه أبى ، كم أتمنى لو حملتها فوق رأسى ساعات الليل التى تخلعها عنك ، فلابد أن لها بركة خاصة وما نطقت بهذا حتى تنهد طويلاً ثم راح يحكى : ( كنت مجنداً فترة حرب الإستنزاف ما بعد ١٩٦٧ ، وفى مدينة بورفؤاد حيث كنت أقضى فترتى ، دخلت تائهاً ، أو قل أتاهنى الله إلى حقل ألغام ، راحت تنفجر لغماً تلو الآخر ، لا أتذكر عددها ، ولكنى أتذكر أن آخرها قد أصابنى وصوته الحلو يهمس فى أذنى - “ لقد حفظتك منها كلها ، ولكنى سمحت أن أترك آثار جراحاتى فى جسدك حتى لا تنسانى " - بعدها رحت فى غيبوبة لأستيقظ فى المستشفى وقد بترت ساقى من أعلى الركبة مع الإبهام ووسطى وسبابة يدى اليمنى .. ) ه أطرقت خجلاً وتأثراً : ولابد أن لها بركة يا أبى ، أعتذر أننى أتطرق إلى أمر شديد الخصوصية كهذا .. ه أبدا ياحبيبى ، هكذا علق : المهم أن نتعزى ، فلربنا خطة مع كل منا ، وجراحاته فى جسدى هى وعده بأن أكون فرحاً فى آلامى ، وهى سر تعزيتى التى حفظت لى نذرى الآن عرفت يا ربى سر سلامه ، وسر النور فى وجهه ، وماذا بعد أن يسمعك ويكون كليمك ؟ وماذا بعد أن تعمل أصابعك فى جسده ؟ أصابعك ليست لتشويه الجسد يا إلهى ، بل هى لجمال النفس ونقاء الروح ، وما أجمله من روح ، وما أرقها من أصابع !! ه سمح له ربنا – له المجد – أن يخدم فترة بمدينة الإسماعيلية مع أبيه المتنيح أنبا أغاثون أسقفها ورئيس ديره ، كما خدم بمقر الدير بالقاهرة فترة ما قبل نياحته ، وما إقترب منه أحدُ إلا وأنجذب لصورة المسيح فى هذاالراهب الشاب النقى جداً ، الوديع وداعة الحملان ، ينساب صوته فى التسبيح عذباً رخيماً ، وفى الكلام بنبرات الرقة والنعمة ، وتعرف عليه الكثيرون وشهدوا بنور المسيح فى وجهه ولمسوا جراحاته فى خدمته التى إنحنت حتى غسل الأرجل وكم كانت أيام إشراقه على أرضنا قصيرة جداً ، ورحل عن عالمنا الفانى إلى مساكن النور فى ٢٤ ديسمبر ١٩٩٨ بعد فترة مرض قصيرة ، وبعد أن أخبر المقربين منه بيوم وزمن نياحته ، فقد كان النور عنده قوياً ليكشف له عن أسرار الله معه ، ولتبقى سيرته معنا مثالاً لأبناء سائح القرن الرابع الذى سكن الجبال مجهولاً حتى كشف النور عنه وأعلن للأنبا أنطونيوس أن أنبا بولا أول السواح سيرة لا تنتهى ، بل هى حية فى أولاده كل سنه والكل فرح ، ببركة عيد الأنبا بولا ٩ فبراير – ٢ أمشير ( الصورة فى أكتوبر عام ١٩٨٧ ، أمام باب قلاية الراهب القديس أبونا مكاريوس أنبا بولا ، معه ، ومع المتنيح القديس أبونا أرسانيوس عزيز ، والمرحوم البار المهندس ميشيل وليم ، لقد رحل ثلاثتهم ، ولم يتبق منهم إلا الرابع يحتاج توبتهم وقداستهم حتى يستحق أن يكون معهم ++++++++++++++++++++

0 التعليقات:
إرسال تعليق